محمد متولي الشعراوي
3984
تفسير الشعراوى
يشرع وفي نفسه هوى ، ومن بعد ذلك تعدّل التشريعات عندما نستبين أنها أصبحت لا تفي ولا تغطي أمور الحياة ، فكأن المشرع الأول لقصور علمه غابت عنه حقائق فضحها المجتمع حين برزت القضايا ، فنظر في قانونه فلم يجد شيئا يغطى هذه القضايا ، فيقول : نعدل القانون ، ونستدرك . ومعنى استدرك . ومعنى استدراك القانون أي أن هناك ما جهله ساعة قنن . إذن يشترط في المقنن ألّا يكون مساويّا للمقنن له ، وألّا تغيب عنه قضية من القضايا حتى لا يستدّرك عليه ، وألّا يكون منتفعا بالتشريع ، ولا يوجد ذلك في بشر أبدا ، فأوضح الحق : اتركوا حضيض التشريع البشرى وارتفعوا إلى السماء لتأخذوا تقنينكم منها ؛ فحين ينادى اللّه « تعالوا » فمعناها ارتفعوا عن حضيض تقنين بشريتكم إلى الأعلى لتأخذوا منه تقنيناتكم التي تحكم حركة حياتكم ، فهو لا ينتفع بما شرع ، بل أنتم الذين تنتفعون ، ولأنه لا يغيب عنه شئ سبحانه ، وهو خالق ، هو أولى أن يشرع لكم . قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ( من الآية 151 سورة الأنعام ) « أتل » من التلاوة وهي القراءة ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أي ما جعله حراما . . أي يمتنع عليهم فعله ، وسأقول لكم كل البلاغات بلاغا بعد بلاغ . أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ( من الآية 151 سورة الأنعام ) لقد جاء سبحانه بتحريم الشرك من خلال تركيب لغوى يؤكد علينا ألا نشرك به ؛ فأنت ساعة تأتى لتلقى أوامر لمن ترأسه تقول له : استمع إلى ما أمنعك منه فاتبعه . ثم تبدأ في التفصيل ، والحق هنا جاء بأول بند من المحرمات والمحظورات هو ألا نشرك به شيئا . أي أتلو عليكم تحريم الشرك ، فأول المحرمات الشرك ، وعلينا أن نوحد اللّه ، فكل نهى عن شئ أمر بمقابله وكل أمر بشئ نهى عن مقابله . وعلى ذلك فكل أمر يستلزم نهيّا ، وكل نهى يستلزم أمرا . فلا تلتبس عليكم الأوامر والنواهي . أو تكون ( عليكم ) منقطعة عما قبلها ، أي عليكم ترك الشرك ، وعليكم إحسانا بالوالدين ، وألّا تقتلوا أولادكم ، وألّا تقربوا